نصر حامد أبو زيد
41
الاتجاه العقلي في التفسير
النموذج البشري المستقرّ على قمة الهرم الاجتماعي ، والمتمثل في الخليفة الأموي كان عنوانا للظلم والشر . وكان القول بعدل اللّه ورحمته يعني بالضرورة الفصل بين صفاته وبين صفات البشر . وقد سبقت الإشارة إلى تأثر معبد الجهني وغيلان الدمشقي بالاتجاهات اللاهوتية المسيحية ، كما سبقت الإشارة إلى نفور جيل الصحابة الأواخر من قولهم بالقدر لما يوهمه من الانتقاص من قدرة اللّه الشاملة . وإذا كان الحسن البصري قد استطاع أن يعدّل صياغة مبدأ القدر لكي يجعله مناسبا لروح التسليم المطلق بقدرة اللّه وإرادته الشاملة ، فمن الطبيعي أن يفتح هذا التعديل الباب لتأثرات أخرى مما كان شائعا في دمشق من أقوال يحيى الدمشقي في المسائل الدينية التي كان يعالجها عن صفات اللّه في الكتاب المقدس وضرورة تأويلها بما يتفق مع التوحيد السليم الذي ينفي مشابهة اللّه للبشر 102 ولقد استعرضنا فيما سبق قول جهم بن صفوان في صفات اللّه ، وحاولنا تفسير جمعه بين القول بنفي الصفات وبين القول بالجبر . ومن المؤكد أن واصل ابن عطاء قد عرف أفكار جهم وتأثر بها ، بل تنسب كتب المعتزلة لواصل أنه علّم جهما كيف يردّ على السمنية ويدلل على وجود اللّه . 103 ولكنها من جانب آخر تجعل من واصل خصما لجهم يرسل إليه حفص بن سالم يناظره ويقطعه في ترمذ ، حتى « رجع إلى قول الحق ، فلمّا عاد حفص إلى البصرة رجع جهم إلى قول الباطل » 104 والروايتان ليستا متعارضتين على أي حال ، فواصل يتفق مع جهم في مبدأ التوحيد ونفي مشابهة اللّه للبشر ، ويختلفان حول « القدر » ، فجهم جبري ينفي قدرة الانسان ليثبت تفرّد اللّه بصفة « القدرة » وحده كما سبقت الإشارة ، بينما واصل قدري على مذهب الحسن ومعبد وغيلان . ومعنى ذلك أن المناظرة التي دارت بين حفص وجهم كانت حول القدر . ومن المؤسف أن المصادر لا تدلنا كيف استطاع واصل أن يحلّ المأزق الذي لم يستطع جهم أن يحلّه والذي أوقعه في مقولة « الجبر » . ومن المحتمل أن واصلا لم يواجه هذا المأزق أصلا لأن الحسن أثبت قدرة العبد على المعصية حين قال « كل شيء بقضاء وقدر إلّا المعاصي » ، وهو القول الذي خفف به من قول معبد وغيلان حتى صار مقبولا في الأوساط المؤمنة . غير أن البعد السياسي الواضح لنشأة الاعتزال يمكن أن يفسّر لنا ما يرويه الشهرستاني من أن « القول بنفي صفات الباري تعالى ، من العلم والقدرة ، والإرادة والحياة . وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة . وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر ، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين . قال ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين » 105 ومعنى ذلك أن قضية « التوحيد » ونفي